معركة قانون الانتخابات: هل المنتشرون مواطنون من الدرجة الثانية؟
يشتدّ الصراع السياسي في لبنان مجدّدًا حول قانون الانتخابات، وتحديدًا ما يخصّ حق المنتشرين في انتخاب نوابهم. ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه كلّ الجهود منصبّة على إخراج البلاد من أزمتها الوجودية، تختار قوى سياسية بارزة، هي الثنائي الشيعي (أمل و حزب الله) ومعه التيار الوطني الحر، خوض معركة جديدة الهدف الظاهر منها هو عرقلة أي تعديل يُتيح للمغتربين انتخاب 128 نائبًا، أي المشاركة الكاملة كمواطنين.
"مصلحة المواطنين": من يحدّدها؟
النقطة الجوهرية التي تثير الاستغراب والاستياء هي التصريح الذي أدلى به المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب، علي حسن خليل، عن خوض "معركة سياسية" للحفاظ على القانون الحالي "من دون تعديله بما يلائم مصلحة فئة على حساب مصلحة المواطنين".
هنا يطرح السؤال نفسه: من كلّف علي حسن خليل أو أيّ قيادي آخر أن يحدد مصلحة المواطنين؟
هل تتلخص "مصلحة المواطنين" بمنع أكثر من 15 مليون لبناني منتشر من أداء واجبهم الانتخابي والوطني؟
هل يعتبر جزء كبير من الشعب اللبناني، الذي أُجبر على الهجرة بفعل فشل هذه الطبقة السياسية بالذات، مجرّد "فئة" لا تتطابق مصلحتها مع "المصلحة الوطنية الجامعة"؟
إنّ هذا الخطاب لا يُظهر فقط احتواءً على العملية الديمقراطية، بل هو أيضاً محاولة واضحة لـتصنيف المواطنين. يتمّ بموجبه تحويل المنتشرين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، حقوقهم ناقصة، ويُسمح لهم بالإدلاء بصوتهم في الدوائر التي غادروها وحسب، دون أن يكون لهم أي تمثيل فعلي خاص يعكس حجمهم وقضاياهم. هذا التقييد يتعارض مع أبسط مبادئ المواطنة المتساوية.
غايات فئوية ضيقة ومشاريع "جهنمية"
إنّ دوافع هذه القوى السياسية ليست "الحفاظ على القانون" بقدر ما هي حماية مصالحها الفئوية الضيقة ومحاولة يائسة لـإبقاء لبنان رهينة لمشاريعها القائمة على المحاصصة والفساد والهيمنة.
الخوف من التغيير: يدرك هذا "الثالوث" السياسي أنّ المنتشرين، وبسبب بُعدهم عن التجاذبات الداخلية وتضرّرهم المباشر من سياسات النظام، يشكّلون قوة انتخابية مستقلة قد تكسر المعادلات الطائفية والمناطقية الضيقة التي تخدم هذه القوى. إنّهم يخشون الأصوات الحرة التي قد تُحدث اختراقاً في منظومة السيطرة القائمة منذ عقود.
تغيير ديموغرافي وسياسي: إشراك المنتشرين بفعالية يُحدث توازناً في الخريطة السياسية، ويُدخل قضايا جديدة ووجوهاً جديدة قد لا تكون مُرضية للسلطة الحالية. المنتشرون هم بمثابة "مستودع الأمل" لمستقبل مختلف.
إنّ الإصرار على عرقلة حق المغتربين في التمثيل الكامل ليس سوى استمرار لتلك المشاريع "الجهنمية" التي أشار إليها النص، والتي لم تجلب على الشعب اللبناني سوى الخراب والدمار الاقتصادي والاجتماعي، ودفعت بأفضل أبنائه إلى الهجرة. هذه القوى التي تدّعي حماية لبنان، هي في الحقيقة أكبر مهدّد لوجوده كدولة ديمقراطية ومواطنة.
في الختام، إن حق الانتخاب والتمثيل للمغتربين هو حق دستوري وواجب وطني لا يجوز المساومة عليه تحت أي ذريعة، ولا يمكن لأيّ قيادي أو حزب أن يضع نفسه وصيّاً على إرادة الشعب اللبناني، سواء كان مقيماً أو منتشراً. معركة المنتشرين هي معركة المواطنة الكاملة، وهي جزء لا يتجزأ من معركة استعادة لبنان من براثن منظومة الفشل والهيمنة. على هذه القوى الكفّ عن اللعب بمصير الأمة والسماح للشعب اللبناني، بكلّ فئاته، بأن يُقرّر مستقبله، بينما تتسبب تلك القوى في زيادة عزلة لبنان عن المجتمع الدولي والمنتشرين!
- شارك الخبر:
